فلسفة الثعبان المقدس هى فلسفة القوة المثقفة فى كل مكان , وكما تحدث الثعبان فى القصيدة التالية الى الشحرور بلغة الفلسفة المتصوفة حينما حاول ان يزين له الهلاك الذى اوقعه فيه , فسماه تضحية وجعله السبيل الوحيد للخلود المقدس ..كذلك تتحدث اليوم سياسة الغرب الى الشعوب الضعيفة بلغة الشعر والاحلام حيثما تحاول ان تسوغ طريقتها فى ابتلاعها والعمل لقتل ميزاتها القومية فتسميها :"سياسة الادماج " وتتكلم عنها كالسبيل الوحيد لهذه الشعوب اذا ارادت نيل حقوقها فى هذا العالم , وبلوغ الكمال الانسانى المنشود , ولكن الفناء حقيقة شنيعة , مبغضة لا ينقص من فظاعتها وكرهها كل ما فى التصوف والفلسفة والشعر من خيال واحلام !!
كانَ الربيعُ الحُيُّ روحاً، حالماً
غضَّ الشَّبابِ، مُعَطَّرَ الجلبابِ
يمشي على الدنيا، بفكرة شاعرٍ
ويطوفها، في موكبٍ خلاَّبِ
والأُفقُ يملأه الحنانُ، كأنه
قلبُ الوجود المنتِجِ الوهابِ
والكون من طهر الحياة كأنما
هُوَ معبدٌ، والغابُ كالمحرابِ
والشّاعرُ الشَّحْرورُ يَرْقُصُ، مُنشداً
للشمس، فوقَ الوردِ والأعشابِ
شعْرَ السَّعادة والسَّلامِ، ونفسهُ
سَكْرَى بسِحْر العالَم الخلاّبِ
فرآه ثعبانُ الجبالِ، فغمَّه
ما فيه من مَرَحٍ، وفيْضِ شبابِ
وانقضّ، مضْطَغِناً عليه،كأنَّه
سَوْطُ القضاءِ، ولعنة ُ الأربابِ
بُغتَ الشقيُّ، فصاح في هول القضا
متلفِّتاً للصائل المُنتابِ
وتَدَفَّق المسكين يصرخُ ثائراً:
«ماذا جنيتُ أنا فَحُقَّ عِقابي؟»
لاشيءِ، إلا أنني متعزلٌ
بالكائنات، مغرِّدٌ في غابي
«أَلْقَى من الدّنيا حناناً طاهراً
وأَبُثُّها نَجْوَى المحبِّ الصّابي»
«أَيُعَدُّ هذا في الوجود جريمة ً؟!
أينَ العدالة ُ يا رفاقَ شبابي؟»
«لا أين؟، فالشَّرْعُ المقدّسُ ههنا
رأيُ القويِّ، وفكرة ُ الغَلاّبِ!»
«وَسَعَادة ُ الضَّعفاءِ جُرْمُ..، ما لَهُ
عند القويِّ سوى أشدِّ عِقَاب!»
ولتشهد- الدنيا التي غَنَّيْتَها
حُلْمَ الشَّبابِ، وَرَوعة َ الإعجابِ
«أنَّ السَّلاَمَ حَقِيقة ٌ، مَكْذُوبة ٌ
والعَدْلَ فَلْسَفَة ُ اللّهيبِ الخابي»
«لا عَدْلَ، إلا إنْ تعَادَلَتِ القوَى
وتَصَادَمَ الإرهابُ بالإرهاب»
فتَبَسَّمّ الثعبانُ بسمة َ هازئٍ
وأجاب في سَمْتٍ، وفرطِ كِذَابِ:
«يا أيُّها الغِرُّ المثرثِرُ، إنَّني
أرثِي لثورة ِ جَهْلكَ التلاّب
والغِرُّ بعذره الحكيمُ إذا طغى
جهلُ الصَّبا في قلبه الوثّابِ
فاكبح عواطفكَ الجوامحَ، إنها
شَرَدَتْ بلُبِّكَ، واستمعْ لخطابي
أنِّي إلهٌ، طاَلَما عَبَدَ الورى
ظلِّي، وخافوا لعنَتي وعقابي
وتقدَّوموا لِي بالضحايا منهمُ
فَرحينَ، شأنَ العَابدِ الأوّاب
وَسَعَادة ُ النَّفسِ التَّقيَّة أنّها
يوماً تكونُ ضحيَّة َ الأَرباب
فتصيرُ في رُوح الألوهة بضعة ً
، قُدُسية ٌ، خلصت من الأَوشابِ
أفلا يسرُّكَ أن تكون ضحيَّتي
فتحُلَّ في لحمي وفي أعصابي
وتكون عزماً في دمي، وتوهَّجاً
في ناظريَّ، وحدَّة ً في نابي
وتذوبَ في رُوحِي التي لا تنتهي
وتصيرَ بَعََض ألوهتي وشبابي..؟
إني أردتُ لك الخلودَ، مؤلَّهاً
في روحي الباقي على الأحقابِ..
فَكِّرْ، لتدركَ ما أريدُ، وإنّه
أسمى من العيش القَصيرِ النَّابي»
فأجابه الشحرورُ ، في غُصًَِ الرَّدى
والموتُ يخنقه: «إليكَ جوابي»:
«لا رأيَ للحقِّ الضعيف، ولاصدى ،
الرَّأيُ، رأيُ القاهر الغلاّبِ »
«فافعلْ مشيئَتكَ التي قد شئتَها
وارحم جلالَكَ من سماع خطابي"
وكذاك تتَّخَذُ المَظَالمُ منطقاً
عذباً لتخفي سَوءَة َ الآرابِ
........................................
القصيدة من ديوان أغاني الحياة لأبي القاسم الشابي والغريب أنه رغم أنها قد كتبت منذ زمن طويل جدا إلا أنها لا تزال تعبر عن عالمنا المعاش
كنت قرأتها منذ أيام الثانوية واحتفظت بمقدمتها لكن كنت أجتهد لأتذكر معانيها دون فائدة إلى أن وجدتها يوماً هنا
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او
دخولتحياتي

"شكرا لك":
*